القاضي التنوخي

117

الفرج بعد الشدة

فقال لي : ويحك يا إسماعيل - ولم يكنّني - ما أسوأ أدبك ، وأقلّ عقلك « 3 » ومروءتك ، دخلت ، فلم تسلّم عليّ تسليم [ 88 ظ ] المسلم على المسلم ، ولا توجّعت لي توجّع المبتلى للمبتلى ، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم ، حتّى إذا سمعت منّي بيتين من الشعر الّذي لم يجعل اللّه فيك فضلا « 4 » ولا أدبا ، ولا جعل لك معاشا غيره ، لم تتذكّر ما سلف منك فتتلافاه ، ولا اعتذرت ممّا قدّمته ، وفرّطت فيه من الحق ، حتّى استنشدتني مبتدئا ، كأنّ بيننا أنسا قديما ، أو معرفة سالفة ، أو صحبة تبسط المنقبض . فقلت له : تعذرني متفضّلا ، فإنّ دون ما أنا فيه ما يدهش . فقال : وفي أيّ شيء أنت ؟ أنت إنّما تركت قول الشعر الّذي كان به قوام جاهك عندهم ، وسببك إليهم ، فحبسوك حتّى تقوله ، وأنت لا بد أن تقوله ، فتطلق ، وأنا يدعى بي الساعة ، فأطالب بإحضار عيسى بن زيد « 5 » ، وهو ابن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن دللت عليه ، لقيت اللّه عزّ وجل بدمه ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، خصمي فيه ، وإن لم أفعل ، قتلت ، فأنا أولى بالدهش والحيرة منك ، وأنت ترى احتسابي وصبري . فقلت : يكفيك اللّه عزّ وجلّ ، وأطرقت خجلا منه . فقال لي : لا أجمع عليك التوبيخ والمنع ، اسمع البيتين واحفظهما ، فأعادهما عليّ مرارا حتّى حفظتهما .

--> ( 3 ) في غ : وأقل معرفتك . ( 4 ) في غ وم : خيرا . ( 5 ) أبو يحيى عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب : ثائر ، من كبار الطالبيّين ، ولد ونشأ بالمدينة ، وصحب النفس الزكيّة محمّد بن عبد اللّه بن الحسن ، واشترك معه في الثورة على المنصور ، وأوصى محمّد بأن يكون عيسى خلفا لأخيه إبراهيم ، ولما قتل محمّد وإبراهيم ، عاش بقيّة حياته متواريا ، وطلبه المهديّ العباسيّ فلم يقدر عليه ، توفّي سنة 168 ( الأعلام 5 / 286 ) .